جلال الدين السيوطي
723
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وقال الزبيديّ في طبقاته : قال أبو عبد الله بن الحسين بن سعد الكاتب ، وأبو بكر بن أبي الأزهر : كان أبو العباس محمد بن يزيد من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ وحسن الإشارة وفصاحة اللسان وبراعة البيان وملوكيّة المجالسة وكرم العشرة وبلاغة المكاتبة وحلاوة المخاطبة وجودة الخطّ وصحّة القريحة وقرب الإفهام ووضوح الشرح وعذوبة المنطق على ما ليس عبيه أحد ممن تقدّمه أو تأخر عنه . سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول : لم ير المبرّد مثل نفسه ممن كان قبله ، ولا يرى بعده مثله . وحدثني سهل بن أبي سهل البهزيّ ، وإبراهيم بن محمد المسمعيّ ، قالا : رأينا محمد بن يزيد وهو حديث السّنّ متصدّرا في حلقة أبي عثمان المازنيّ يقرأ عليه كتاب سيبويه ، وأبو عثمان في تلك الحلقة كأحد من فيها . وكان سبب حمله من البصرة فيما حدثني أحمد بن حرب ، قال : قرأ المتوكّل على الله وبحضرته الفتح بن خاقان وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ [ سورة الأنعام ، الآية : 109 ] فقال الفتح بن خاقان : يا سيدي أَنَّها إِذا جاءَتْ [ سورة الأنعام ، الآية : 109 ] بالكسر ، . فتبايعا على عشرة آلاف دينار ، وتحاكما إلى يزيد بن محمد المهلبيّ ، وكان صديقا للمبرّد ، فلما وقف يزيد على ذلك ، خاف أن يسقط أحدهما ، فقال : والله ما أعرف الفرق بينهما ، وما رأيت أعجب من أن يكون باب أمير المؤمنين يخلو من عالم متقدّم . فقال المتوكّل : فليس ههنا من يسأل عن هذا ؟ فقال : ما أعرف أحدا يتقدّم فتى بالبصرة ويعرف بالمبرّد . قال : ينبغي أن يشخص . فنفد الكتاب إلى محمد بن القاسم بن محمد بن سليمان الهاشميّ بأن يشخصه مكرما . فحدثني محمد بن يزيد ، قال : وردت سرّ من رأى ، فأدخلت على الفتح بن خاقان ، فقال لي : يا بصريّ ، كيف تقرأ هذا الحرف : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [ سورة الأنعام ، الآية : 109 ] بالكسر أو بالفتح ؟ فقلت : إنّها بالكسر ، هذا المختار ؛ وذلك أنّ أول الآية وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ